تقرير بحث السيد محمد باقر الصدر للحائري

34

مباحث الأصول ( القسم الأول )

--> - ولا تكره الألم ، وحتّى الألوان الرائعة من الإيثار التي نشاهدها في الإنسان ونسمع بها عن تأريخه تخضع - في الحقيقة - أيضا لتلك القوّة المحرّكة الرئيسة : ( غريزة حبّ الذات ) فالإنسان قد يؤثر ولده أو صديقه على نفسه ، وقد يضحّي في سبيل بعض المثل والقيم ، ولكنّه لن يقدم على شيء من هذه البطولات ما لم يحسّ فيها بلذّة خاصّة ومنفعة تفوق الخسارة التي تنجم عن إيثاره لولده وصديقه ، أو تضحيته في سبيل مثل من المثل التي يؤمن بها ، وهكذا يمكننا أن نفسّر سلوك الإنسان بصورة عامّة في مجالات الأنانيّة والإيثار على حدّ سواء ، ففي الإنسان استعدادات كثيرة للالتذاذ بأشياء متنوّعة : مادّيّة كالالتذاذ بالطعام والشراب وألوان المتع الجنسيّة وما إليها ، أو معنويّة كالالتذاذ الخلقيّ والعاطفيّ بقيم خلقيّة ، أو أليف روحيّ ، أو عقيدة معيّنة حين يجد الإنسان تلك القيم ، أو ذلك الأليف ، أو هذه العقيدة جزءا من كيانه الخاصّ . وهذه الاستعدادات التي تهيّء الإنسان للالتذاذ بتلك المتع المتنوّعة تختلف في درجاتها عند الأشخاص ، وتتفاوت في مدى فعليّتها باختلاف ظروف الإنسان وعوامل الطبيعة والتربية التي تؤثّر فيه ، فبينما نجد أنّ بعض تلك الاستعدادات تنضج عند الإنسان بصورة طبيعيّة كاستعداده للالتذاذ الجنسيّ مثلا نجد أنّ ألوانا أخرى منها قد لا تظهر في حياة الإنسان ، وتظلّ تنتظر عوامل التربية التي تساعد على نضجها وتفتّحها . وغريزة حبّ الذات من وراء هذه الاستعدادات جميعا تحدد سلوك الإنسان وفقا لمدى نضج تلك الاستعدادات ، فهي تدفع إنسانا إلى الاستئثار بطعام على آخر وهو جائع ، وهي بنفسها تدفع إنسانا آخر لإيثار الغير بالطعام على نفسه ؛ لأنّ استعداد الإنسان الأوّل للالتذاذ بالقيم الخلقيّة والعاطفيّة الذي يدفعه إلى الإيثار كان كامنا ، ولم تتح له عوامل التربية المساعدة على تركيزه وتنميته ، بينما ظفر الآخر بهذا اللون من التربية ، فأصبح يلتذّ بالقيم -